التجربة السوفيتية

الرؤية المنصفة للتجربة السوفيتية أنها تطبيق لرؤية فلسفية تجمع ما بين المنهج الفكري و القناعات الذاتية المرتبطة بالتلقي لثقافة جامعة مرفودة بإضافات وجهود دائبة فردية وجمعية في أطوار تقدمها المختلفة. قدمت هذه التجربة نموذجا خلا من الصراع الماحق الذي يسوغ ذلك السحق الكارثي الذي يسم المجتمعات الرأس مالية والتي تتحبب إلى الوجدان الثقافي بوصف السوق الحر والذي هو محاولة مخادعة الربط ما بين انطلاق الحريات بأدنى القيود و انطلاق الرأس المال ايضا بلا قيود و بالشراسة التي نراها اليوم ممثلة في قانون القوة ومستتبعاته من استغلال واستعمار مستتر أو صريح . خلال عقود التطبيق الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي كان الفرد يتمتع بالخدمات جميعها بلا مقابل مادي يؤديه إلى مرافق الدولة المختصة و يحظى بتلبية حاجاته الذاتية من قوت وملبس ومسكن بأدنى المقابل أو فلنقل بسعر التكلفة. كان الأمر أشبه بأساطير المرويات في المدن الفاضلة؛ الاتحاد السوفيتي بمساحته التي تماثل قارة بأكملها كأستراليا تبلغ قيمة البيضة في كل مدن هذه المساحة الشاسعة بما يعادل ١ على ٣٠٠ من الجنيه السوداني في ذلك الوقت . كان بوسع الشاب السوفيتي إذا ما سجل زواجه في المكتب الخاص بذلك أن يحصل على شقة بأقل من خمسة جنيهات سودانية ويؤثثها بكل ما يحتاجه من إثاثات ومعدات منزلية بما يوازي مئة من الجنيهات ثم يحصل على الماء والكهرباء والغاز والماء الحار والتدفئة المركزية بلا مقابل من الدولة استحقاقا مكفولا لكل مواطن. هذه التجربة قدمت بأعلى قدر من التشوهات أمام العالم خاصة أمام العالم الثالث حتى أن بعض الدول خاصة في العالم الإسلامي صنفتها في خانة العدو. كرس ما يسمى بصناعة الإدراك ليبقى الاتحاد السوفيتي عنوانا ناجزا في المخيلة للقمع الفكري و النمطية المجافية للحياة الإنسانية والبعد عن الابداع وكان ذلك كذبا صراحا بالغ الدناءة. انجازات السوفيت الإبداعية في الآداب والثقافة والعلوم كانت متفوقة على كل تجربة إنسانية أخرى في القارات الخمس ولن يتسنى ذكر هذه الإنجازات الإبداعية في مقال عابر لكن يكفي تعبيرا عنها أن فريقا تقنيا من العلماء الأمريكيين حينما زار منشأة لارتياد الفضاء بعد تفكك الاتحاد السوفيتي أن صرحوا بأن الاتحاد السوفيتي يتفوق على امريكا بما مقداره عشر سنوات من العلم (They are ten years ahead of us) . من نتائج هذا الحجاب المضروب أن العالم لم يعرف عن رواية مصير انسان لميخائيل شولوخوف أو ضياء نجم بعيد الكساندر تشايكوفسكي أو الثلج الحار ليوري بونداريف أو فيلم من هنا عبر الغجر أو العجوز والحرب. هذه القمم الإبداعية لا تضاهيها اي من تلك الأعمال التي حظيت بالصيت العالمي بفضل الاعلام الغربي وأذرعه الطويلة وبذلك حرمت الإنسانية من رافد إيجابي يضيف إلى الانجاز الإنساني بحسابات بلغت الدرك الادنى في الوضاعة والخسة. لا يمثل الأمر صدمة عارمة إن قلنا إن الاتحاد السوفيتي قد أوتي من قبل مثقفيه كما هو الحال عندنا ، اولا كرايسكي ثم تروتسكي ثم سولنجستن . الاخير كما هي العادة كان أستاذا في جامعة ليننجراد وكان روائيا مملا لا يكتب الا في قالب البثور التي تنتاب جسدا جميلا ثم بدأ بجمع مسيرات الطلاب وحشد المتطلعين إلى موسيقى الروك و بنطالات الجينز تماما كما هو الحال في الصين غب اعتصام البوابة السماوية. ثم تلون الأمر بحرية التعبير والتنقل و التظاهر ثم توجه الأمر إلى الإثنية الروسية . هل يشبه الأمر ملامح نعرفها؟ تلك الشنشنة التي نعرفها عن قضاعة والمسالك المحفوظة إلى غايات تختبيء ولا تستبين الا لمدقق؟ مدقق ينكره قومه ككل نبي في قومه . أو كصالح في ثمود كما قال المتنبي. ولنا عودة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top